محمد الحميدي
121
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
وكانت له همّة يحدّث بها نفسه بإدراك معالي الأمور ، ويزيد في ذلك ، حتّى كان يحدّث من يختصّ به بما يقع له من ذلك ، وله في ذلك أخبار كثيرة عجيبة ، قد أوردنا ما اتّفق منها في كتاب « الأماني الصّادقة » . ثم علت حاله ، وتعلّق بوكالة « صبح » أمّ هشام المؤيّد ابن الحكم المستنصر ، والنظر في [ 35 أ ] أموالها وضياعها ، وزاد أمره في الترقّي معها إلى أن مات الحكم المستنصر ، وكان هشام صغيرا ، وخيف الاضطراب ، فضمن لصبح سكون الحال ، وزوال الخوف ، واستقرار الملك لابنها . وكان قويّ النفس ، وساعدته المقادير ، وأمدّته المرأة بالأموال ، واستمال العساكر ، وجرت أحوال علت قدمه فيها ، حتّى صار صاحب التّدبير ، والمتغلّب على الأمور ؛ وحجب هشاما المؤيّد ، وتلقّب بالمنصور ، وأقام الهيبة ، فدانت له أقطار الأندلس كلّها ، وأمنت به ، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته ، لعظيم هيبته وسياسته . وكان محبّا للعلم ، مؤثرا للأدب ، مفرطا في إكرام من ينتسب إليهما ، ويفد عليه متوسّلا بهما ، بحسب حظّه منهما ، وطلبه لهما ، ومشاركته فيهما . وكان له مجلس معروف في الأسبوع ، يجتمع فيه أهل العلوم للكلام فيها بحضرته ، ما كان مقيما بقرطبة ، لأنه كان ذا همة ونيّة في الجهاد ، مواصلا لغزو الرّوم ، حتّى إنه كان ربّما يخرج إلى المصلّى يوم العيد ، فتقع له نيّة في ذلك ، فلا يرجع إلى قصره ، ويخرج بعد انصرافه من الصّلاة ، كما هو ، من فوره إلى الجهاد ، فتتبعه العساكر ، وتلحق به أولا فأولا ، فلا يصل إلى أوائل الدّروب إلّا وقد لحقه كلّ من أراد من العساكر . غزا نيّفا وخمسين غزوة ذكرت في « المآثر العامريّة » بأوقاتها ، وآثاره فيها ، وفتح فتوحا كثيرة ، ووصل إلى معاقل جمّة امتنعت على من كان قبله ، وملأ الأندلس بالغنائم والسّبي ، وكان في أكثر زمانه لا يخلّ بغزوتين في السّنة . وكان كلّما انصرف من قتال العدوّ إلى سرادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه